الحلبي

102

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

فتح مكة شرفها اللّه تعالى كان في رمضان سنة ثمان . وكان السبب في ذلك أنه لما كان صلح الحديبية بين رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وبين قريش كان فيه أن : من أحب أن يدخل في عقد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وعهده فليدخل ، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم فليدخل فيه ، فدخلت بنو بكر في عهد قريش ، ودخلت خزاعة في عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كما تقدم ، وكان قبل ذلك بينهما دماء ، أي فحجز الإسلام بينهما لتشاغل الناس به ، وهم على ما هم عليه من العداوة ، وكانت خزاعة حلفاء عبد المطلب بن هاشم جد النبي صلى اللّه عليه وسلم ، أي يناصرونه على عمه نوفل بن عبد مناف . فإن المطلب لما مات وثب نوفل على ساحات وأفنية كانت لعبد المطلب واغتصبه إياها ، فاضطرب عبد المطلب لذلك واستنهض قومه ، فلم ينهض معه أحد منهم ، وقالوا له لا ندخل بينك وبين عمك ، وكتب إلى أخواله بني النجار ، فجاءه منهم سبعون راكبا فأتوا نوفلا وقالوا له : ورب البينة لتردنّ على ابن أختنا ما أخذت وإلا ملأنا منك السيف ، فرده ثم حالف خزاعة بعد أن حالف نوفل بني أخيه عبد شمس ، وكان صلى اللّه عليه وسلم يعلم بذلك الحلف فإنهم أوقفوه على كتاب عبد المطلب وقرأه عليه أبي بن كعب رضي اللّه عنه : أي بالحديبية ، وهو باسمك اللهم ، هذا حلف عبد المطلب بن هاشم لخزاعة إذا قدم عليه سرواتهم وأهل الرأي منهم ، غائبهم يقرّ بما قاضى عليه شاهدهم أن بيننا وبينكم عهود اللّه وميثاقه وما لا ينسى أبدا ، اليد واحدة والنصر واحد ، ما أشرق ثبير وثبت حرا مكانه ، وما بلّ بحر صوفة . وفي الإمتاع أن نسخة كتابهم : باسمك اللهم ، هذا ما تحالف عليه عبد المطلب بن هاشم ورجالات عمرو بن ربيعة من خزاعة ، تحالفوا على التناصر والمواساة ما بلّ بحر صوفة ، حلفا جامعا غير مفرق ، الأشياخ على الأشياخ ، والأصاغر على الأصاغر ، والشاهد على الغائب ، وتعاهدوا وتعاقدوا أوكد عهد وأوثق عقد لا ينقض ولا ينكث ، ما أشرقت شمس على ثبير ، وحنّ بفلاة بعير ، وما أقام الأخشبان ، وعمر بمكة إنسان ، حلف أبد لطول أمد ، يزيده طلوع الشمس شدّا ، وظلام الليل مدا ، وأن عبد المطلب وولده ومن معهم ورجال خزاعة متكافئون متظاهرون متعاونون ، فعلى عبد المطلب النصرة لهم بمن تابعه على كل طالب ، وعلى خزاعة النصرة لعبد المطلب وولده ومن معهم على جميع العرب في شرق أو غرب أو حزن أو سهل ، وجعلوا اللّه على ذلك كفيلا ، وكفى باللّه جميلا ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : ما أعرفني بحقكم وأنتم على ما أسلفتم عليه من الحلف . فلما كانت الهدنة ، وهي ترك القتال التي وقعت في صلح الحديبية اغتنمها بنو